الأحد، 29 سبتمبر 2013
تراجيديا الضياع بين تسلط الأب و فقدان الأم
قراءة في مجموعة " ترانت سيس " للقاصة
المغربية مليكة مستظرف)
بقلم محمد آيت لعميم
* *
* *
ابتداء من لحظة التأسيس التي هيمنت فيها الحبكة
الموباسانية و خيم فيها موضوع الصراع مع الآخر و البحث عن البطل المخلص من
الاستعمار المباشر و مرورا بلحظة التسيس التي بصمت بالصراع بين الطبقات و الفئات
الاجتماعية وظهور البطل الهامشي إلى مسرح الأحداث، ووصولا إلى لحظة التجريب التي
ساد فيها التخريب: تخريب الحبكة وتدمير الحكاية استجابة لسديمية الواقع وفوضاه،
وغياب انسجامه و تناثر عراه، عرفت القصة القصيرة بالمغرب تطورا ملحوظا على مستوى
الشكل و المحتوى، و انخرطت في تجارب متنوعة المشارب واجترحت تقنيات ومذاهب0
يلاحظ المتتبع للمتن السردي القصصي أن هذا الجنس الأدبي له جاذبية خاصة و لديه قدرة على طرح أسئلة جريئة في المشهد المجتمعي الراهن، و ذلك أن مجموعة من القصاصين و القاصات استطاعت أن تنفذ إلى جوهر الخلل في المجتمع من خلال رصد دقيق و تشخيص عميق لمظاهر عدم التوازن الاجتماعي و ما يترتب عليه من معضلات تصيب الذات في مقتل.
و في سياق البحث في العلاقة بين الكتابة و اليومي، هذه العلاقة التي أضحت اليوم مثار اهتمام النقد، لا سيما و أن الكتابة اليوم أصبحت تحتفي باليومي احتفاء خاصا، وذلك لأسباب عديدة منها البحث عن خصوصية الذات في علاقتها بما يجري حولها، ناهيك عن سقوط الأيدولوجيا الكبرى و الأنساق، مما فسح المجال للكتابة أن تسائل الذات في أشيائها الصغيرة وإفشاء الحميميات، اخترت المجموعة القصصية "ترانت سيس" للقاصة المغربية مليكة مستظرف، كمتن لرصد العلاقة بين الكتابة و اليومي.فما هي طبيعة هذه العلاقة من خلال هذه المجموعة؟ كيف تمثلت القاصة جانبا من المجتمع الذي تعيش فيه؟ كيف عالجته جماليا؟ لماذا اختارت الطبقة المسحوقة اجتماعيا و رصدت من خلالها جنون المجتمع و فوضاه؟ ما هي طبيعة المعالجة التخييلية لهذه المعضلات الاجتماعية؟ لماذا هذه العودة إلى بناء الحكاية بدل تدميرها ؟ و لماذا العودة إلى كتابة الواقع؟
سأحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال تحليل المتن الحكائي للمجموعة القصصية و تتبع الموضوعات المتواترة في ثناياه.
تتكون المجموعة القصصية ترنت سيس من عشر قصص هي كالتالي: مجرد اختلاف، ترانت سيس، امرأة جلباب، وعلبة حليب، امرأة عاشقة امرأة مهزومة، الهذيان ، الوهم، اختناق، مأدبة الدم ، الخدعة، يوم من حياة رجل متزوج.
اختارت القاصة عنوان المجموعة من عنوان القصة الثانية هادفة من وراء ذلك الى تبئير العمل برمته في تداعيات الجنون والمرض العقلي، وكل الأمراض النفسية التي تنتج عن خلل في الذات و المجتمع. فترانت سيس حوفظ على كتابتها كما تنطق بالدارجة المفرنسة، حيث تحول هذا الرقم 36 إلى مكان و هو مستشفى الأمراض العقلية بالدار البيضاء و من خلال هذا المجاز المرسل الذي يقتضي التجاوز بلاغيا ، شكلت الحقبة الأولى للنص فهي عبرت بالمحل وأرادت الحال فيه، و من خلال الاستعمال الشعبي لهذا المحل تشكل انزياح دلالي جديد حيث أصبح هذا العدد 36 يلصق بكل تصرف أخرق مجنون. ففي القصة التي تحمل هذا العنوان أصبح العدد 36 هو شخصية الأب الذي يعاني من انفصام في الشخصية.
فهو شخص غير متوازن، يقضي كل مساء سبت مع امرأة غريبة في غرفته وابنته الصغيرة ترى و تسمع كل ما يدور بين الأب و المومس بعد انتهائه من عربدته و فعله الداعر يتوجه للصلاة! إنها قمة الانفصام وازدواجية الشخصية.
مكونات العالم القصصي في المجموعة:
يتشكل العلم القصصي عند مليكة مستظرف من خلال رصد الحياة الاجتماعية للطبقة المسحوقة والفقيرة و غير المتعلمة. هذه القصص و الشخصيات منتقاة من قاع المجتمع. وقد تمكنت القاصة من رصد هذه الحياة بتفاصيلها ويخيل للقارئ أن كل قصة من قصص المجموعة قد استوفت تفاصيل الموضوع المعالج فيها، بلغة تنم عن شراسة وعنف في المتخيل الذي يستمد كل مكوناته في الحياة الواقعية، بعيدا عن التأملات و الخيالات الجامحة ، لقد أنزلت مستظرف كل شخصياتها إلى معترك الحياة اليومية و راحت تنسج خيوط قصصها عبر وصف دقيق يتسم بالتركيز على العنصر البشع وعلى كل ما يثير التقزز والغثيان وكأننا نقرأ أناشيد مالدرور للنوتريامون، أو كأننا نقرأ رواية إميل زولا عصارة الخمر. التي رصدت هي الأخرى بشاعة الحياة في باريس القرن 19، حيث القذارة و الأوساخ و الأمراض و التعفنات و سوء التغذية ، و التفكك الأسري ، و المومسات الصغيرات ، وهموم الطبقة العمالية التي تتجمع في الخمارة التي ترمز للموت البطيء. فالشخصية الرئيسية جرفيز كانت تعيش حياة طبيعية مع الفقر إلا أنها ستجد ضالتها في الخمر لتدخل في متاهة احتضارها.
لقد كان إميل زولا يسعى من وراء هذا العمل القوي إلى إبراز أن عامل الوراثة و الحتمية يؤديان الى الخراب و الضياع، إضافة إلى أنه كان يجرب بعض الأفكار العلمية السائدة في عصره من خلال عمل تخييلي.
لقد عالجت مليكة مستظرف مجموعة من القضايا الشائكة في المجتمع المغربي تخص الطبقة المسحوقة و الفقيرة داخل فضاء مدينة الدار البيضاء التي وصفتها إحدى الشخصيات بأنها مدينة عاهرة تفتح فخذيها لكل القادمين. ص24.
كل قصة من قصص المجموعة ترصد عالما مستقلا و موضوعا خاصا رغم تواتر بعض التيمات المركزية الناظمة لعالم هذه القصص كتيمة الأب المتسلط العامي الذي يعيش طيلة حياته بأحكام جاهزة وقيم بالية و عقلية متهالكة تلقاها بعيدا عن المعرفة و التعلم، فقط هي أفكار منهكة ورثة تعشش في ذهنية ذكورية مريضة و متحجرة عاشت على التقاليد المغلوطة و على الوهم و تيمة الأم المفقودة أو العاجزة، هي الأخرى غير المتعلمة تعيش في ظلمات الجهل و الأمية. أن الرجل و المرأة في عالم هذه المجموعة كلاهما ضحية للفقر و غياب التربية السليمة التي تؤهل إلى توريث تربية سليمة للأبناء.
فالأب في قصة ترانت سيس يبعث بطفلته الصغيرة عند البقال بإبراهيم الذي يبيع في حانوته كل شيء : مواد غذائية و خمور رديئة ناهيك على أنه يعالج مرضى الحي بوصفات عجيبة. لتقتني له كل مساء سبت قنينتين من صنف عايشة الطويلة الذي ظلت الطفلة تعتقد أنها امرأة طويلة لتكتشف أخيرا أنها اسم لصنف رديء من الخمور . فماذا سيورث هذا الصنف من الآباء الداعرين العربيدين أطفالهم سوى الرذيلة الهابطة و عدم التوازن النفسي.
لقد عالجت في القصة الأولى : مجرد اختلاف، قضية الخنثى ، وإذا كانت هذه المشكلة قد عالجها مجموعة من الكتاب الذين اتخذوا فكر الاختلاف منهجا في الكتابة والحياة كالخطيبي ، فإنهم قد عالجوها في إطار فلسفي تأملي باعتبار الخنثى حقلا خصبا لتجريب مفاهيم الاختلاف, فان القاصة مليكة مستظرف أنزلت عالم الخنثى من عالم التأمل لتزج به في الواقع اليومي ورصد معاناته الناتجة عن عدم تفهم الآخر لاختلافه الجسدي.
تبدأ القصة بمشهد دال، شارع في آخر الليل ، صامت و فارغ و كئيب، لا وجود إلا لبعض القطط الضالة تموء بطريقة مخيفة كبكاء طفل رضيع، كلبة وكلب يلتحمان وينتشيان، يحس السارد/ الشخصية الخنثى بخدر لذيذ يسري في جسده. يدخل في مونولوغ : كم هما محظوظان يفعلان ذلك الشيء أمام الملأ: ربي يشوف و العبد يشوف. لا يخافان من لا رافل أو من كلام الناس. سرعان ما يتوقف مشهد الانطلاق ليظهر في مسرح الأحداث بوشتى حامي المومسات الذي أفسد على السارد الشخصية لذته في مشاهدة عملية الالتحام الكلبي صارخا بكلام عامي بذيء ينم عن عدوانية مجانية، رماهما بحجر فافترقا و قد صدر عنهما أنين كالبكاء.
إن هذه الجملة المفتتح تهيئ القارئ لما سيأتي من أحداث فالقصة برمتها تحكي معاناة هذا الشخص المختلف جسديا و قد بدأت هذه المعاناة من خلال ابتزاز بوشتى لهذا الخنثى فهو يأخذ نصيبه عن كل عملية مقدما ص10 ومن مضايقة الملتحين له الذين يريدون تنظيف المجتمع، فقد تعرض من طرفهم الى حلق شعر رأسه, وقد ظلت هذه العملية تحز في نفسه لان شعره كان طويلا و أشقر كشعر الخيل ثم من خلال تعنيف أبيه له وقد فاجأ أمه و هي تسرح شعره و تضع احمر الشفاه على خده و تعقص شعره على شكل إسفنجة ، ذلك اليوم ضرب الأم حتى تغوطت وقال لها: هاد الولد غادي تخرجي عليه سيصبح خنثى!. وعلى اثر هذا الحدث فرض عليه أبوه أن يقرأ القرآن ليترجل أي يصير رجلا . وعقوبة كتلك التي يعاقب بها الأطفال من طرف معلمين يجدون لذة في عقوبة الأطفال و هي أن يكتب ألف مرة : أنا رجل . لكن الطفل المختلف جسديا يظل يتراوح بين رغبة الأب أن يكون رجلا و رغبة الجسد أن يكون امرأة. و حتى المهنة التي كان يتمناها هذا الطفل تتضمن في جزء منها إشارة الى الرغبة الجنسية الشاذة. سأله أبوه آش بغيتي تكون في المستقبل؟ أجاب الطفل بيلوط أي ربان طائرة إن جزءا من الكلمة يشير إلى لوط و إلى تداعيات اللواطية. و في المؤسسة التعليمية يعاني من قسوة أستاذ اللغة العربية الذي ضبطه يتحسس مؤخرته لما سمع في درس النحو أن المفعول به يكون منصوبا بالفتحة الظاهرة في آخره، ومن أستاذ التربية الإسلامية الذي يقول: إن الفاعل و المفعول به في نار جهنم. ومن المفارقات أن هذا المدرس يتحرش به ويلمس وجهه برفق ولطف . أصدقاؤه في الفصل يسخرون منه. يدخل حمام النساء فيلفظ لفظ النواة. يدخل حمام الرجال فيطرد أيضا ويقال له: أنت امرأة سيري لحمام النساء. إن المجتمع يتعامل بخشونة و أحيانا بلا مبالاة قاسية بلا سبب يشتمونه في الشارع.
و أخيرا وأمام هذا الضياع وهذا التضييق و رفض المختلف يبقى الحل هو الاقتناع بان الجسد لا يختاره صاحبه هو خليقة الله حتى الطبيب الذي يجسد المؤسسة العلمية تعامل معه بمنطق الربح وبلغة لا يفهمها، حدثه عن الهرمونات و الجينات و الكروموزومات، وقد انتهى معه في الأخير إلى دفعه إلى تقبل جسده.صديقته نعيمة المومس قالت له نفس ما قاله الطبيب لكن بلغتها الخاصة.
و يبقى السؤال المشكلة هو كيف يقنع الآخرين باختلافه؟
طرحت القصة مشكلة الخنثى من منظور واقعي اجتماعي، ورصدت بدقة رد فعل المجتمع بمستوياته و بمؤسساته المتعددة، وكان رد الفعل هو الرفض، وفي أحيان قليلة كانت هناك دعوة للتعايش مع هذا الجسد المختلف وقد كان خطاب القصة يسعى الى تركيز نقطة لدى المتلقي : وهي انه لا حل لهذه المعضلة الا في إطار الاختلاف. وقد نجحت القاصة في خلق نوع من التعاطف اتجاه الشخصية الضحية السارد. و قد عولج الموضوع في إطارين دائري يوحي بان المعضلة مستحكمة، وان هذا البطل الهامشي يكابد مصيره وحده لا احد يتفهم اختلافه ولا أحد يقاسمه آلامه لأن الألم فردي.
إن الخطاب التخييلي السردي يكون أكثر تبليغا من الخطابات الأخرى و يهدف بالخصوص إلى تنسيب القيم التي ينظر لها المجتمع في إطلاقيتها.
سبق الذكر أن كل قصة في المجموعة تتحدث عن معضلة اجتماعية أو نفسية، ويمكن تقديم تشخيص لمجمل هذه القضايا كالتالي:
في القصة الأولى ترانت سيس، يقدم نموذج الأب المتسلط الداعر المزدوج الشخصية. يقدم نموذجا سلبيا لمفهوم الأبوة أمام طفلة فاقدة أمها.
و في قصة امرأة ..جلباب و علبة حليب، تقدم القاصة نموذج المرأة التي تخلى عنها زوجها و اضطرت الى العودة الى بيت أبيها المتسلط و الذي لم يتفهم وضعها الشيء الذي أدى الى ضياع هذه المرأة التي لا ترغب سوى في بيت وطعام لطفل. هذا الوضع الخانق لامرأة غير متعلمة و ليس لديها استقلال مادي أدى في النهاية الى حتمية البحث عن الرزق من خلال امتهان بيع الجسد لمن هب ودب.
وفي قصة امرأة عاشقة امرأة مهزومة تحكي عن معاناة امرأة زوجها أبوها غصبا عنها و هي لازالت طفلة فتخلى عنها زوجها. بعد هذا الحاد ث الأليم أحبت شخصا آخر تصفه بأنه كان يشبه دبا صغيرا، أصلع بكرش مرتخية تخفي أعضاءه التناسلية و مؤخرة ضخمة ووجه مدور. متسائلة كيف أحبت هذا الصنف من البشر.هو هكذا الحب دائما يأتي بلا موعد، الحب كالموت. ص 30 هذا الشخص الكاريكاتوري هو الآخر تخلى عنها. و تعلق الساردة/ الشخصية عن هذا الوضع: كلهم يهربون عندما تصبح الأمور جادة ص32. أمام هذا التخلي المتكرر تدخل البطلة المنهكة في متاهة الشعوذة تلجأ الى العرافة التي تعدها بان حبيبها سيعود شريطة أن تقدم ذبيحة كبيرة و ليلة كناوية. وفي هذا المستوى من القصة تفضح الساردة الابتزاز الذي تعرضت له من طرف عرافة كانت لها سوابق فالعرافة كانت شيخة أي مغنية شعبية، وعندما جار عليها الزمن أصبحت عرافة ص32. إن عالم هذه القصة مليء بالمفارقات و بالسخرية السوداء و بالضحك حد البكاء.
و في قصة الهذيان تحكي الساردة و هي ملقاة على سرير في مستشفى شخص يقبلها في شفتيها المشققتين و يقول: قبلة أبوية. تذكر أن أباها لم يقبلها قط. تذكر فقط حينما كان ينحني بقامته الفارغة و يضع يده حول خصر أمها و تختفي الصورة كما كانت تختفي الصورة من تلفازهم المتهالك. تذكر حينما كان يقبلها صلاح كانت قبلاته بمذاق السجائر الرخيصة و الخمر الرديئة. تلمس نهديها التي بدت كفلفلة مقلية مرتخية بشكل مقزز ص37. تذكر زوجها الذي كان يعاملها بطريقة قاسية و عقلية ذكورية. أما في القصة اختناق فان الأحداث كلها تدور في الحافلة و من خلال هذه الحافلة التي وصفتها بان الداخل إليها مخنوق والخارج منها مسروق، تصف مجتمعا بأكمله بلصوصه و بؤسائه و شواذه و فقرائه بشاعته.
و في قصة مأدبة الدم، تحكي عن معاناة رجل مصاب بالفشل الكلوي المزمن، ومن خلال هذه المعاناة تصفي حسابها مع الحكومة و تفضح سلوكها الثعلبي اتجاه هؤلاء المرضى، الذين تزيدهم الوعود الكاذبة و فضاءات المستشفى المرعبة معاناة مضاعفة تنتهي بهم الموت القاتم في ردهات المستشفى المزبلة. وفي قصة الخدعة تحكي عن خدعة الزوج ليلة العرس، وذلك عن طريق إعادة البكارة الاصطناعية. أما القصة الأخيرة: يوم من حياة رجل متزوج فإنها قصة تحكي عن مشكلة اللاتواصل بين الزوجين و عن الملل الدائم بينهما.
من خلال تتبعنا للتيمات الرئيسية داخل المجموعة الجريئة، نلاحظ أن القاصة لديها جرأة في اقتحام موضوعات كانت حكرا على الرجال، كما أننا نلمح حضورا بارزا للسير ذاتي داخل ثنايا هذه النصوص، و كأن مليكة مستظرف تسعى الى رسم صورتها الشخصية التي وزعتها على شخصيات المجموعة القصصية، مراوحة في ذلك بين السير ذاتي و التخييل. إضافة إلى المزاوجة بين اليومي والحميمي.و من خلال الانحياز الواضح لليومي و الواقعي ندرك أن الكاتبة تنظر إلى أن كتابة الواقع أعقد من الخيال.
يلاحظ المتتبع للمتن السردي القصصي أن هذا الجنس الأدبي له جاذبية خاصة و لديه قدرة على طرح أسئلة جريئة في المشهد المجتمعي الراهن، و ذلك أن مجموعة من القصاصين و القاصات استطاعت أن تنفذ إلى جوهر الخلل في المجتمع من خلال رصد دقيق و تشخيص عميق لمظاهر عدم التوازن الاجتماعي و ما يترتب عليه من معضلات تصيب الذات في مقتل.
و في سياق البحث في العلاقة بين الكتابة و اليومي، هذه العلاقة التي أضحت اليوم مثار اهتمام النقد، لا سيما و أن الكتابة اليوم أصبحت تحتفي باليومي احتفاء خاصا، وذلك لأسباب عديدة منها البحث عن خصوصية الذات في علاقتها بما يجري حولها، ناهيك عن سقوط الأيدولوجيا الكبرى و الأنساق، مما فسح المجال للكتابة أن تسائل الذات في أشيائها الصغيرة وإفشاء الحميميات، اخترت المجموعة القصصية "ترانت سيس" للقاصة المغربية مليكة مستظرف، كمتن لرصد العلاقة بين الكتابة و اليومي.فما هي طبيعة هذه العلاقة من خلال هذه المجموعة؟ كيف تمثلت القاصة جانبا من المجتمع الذي تعيش فيه؟ كيف عالجته جماليا؟ لماذا اختارت الطبقة المسحوقة اجتماعيا و رصدت من خلالها جنون المجتمع و فوضاه؟ ما هي طبيعة المعالجة التخييلية لهذه المعضلات الاجتماعية؟ لماذا هذه العودة إلى بناء الحكاية بدل تدميرها ؟ و لماذا العودة إلى كتابة الواقع؟
سأحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال تحليل المتن الحكائي للمجموعة القصصية و تتبع الموضوعات المتواترة في ثناياه.
تتكون المجموعة القصصية ترنت سيس من عشر قصص هي كالتالي: مجرد اختلاف، ترانت سيس، امرأة جلباب، وعلبة حليب، امرأة عاشقة امرأة مهزومة، الهذيان ، الوهم، اختناق، مأدبة الدم ، الخدعة، يوم من حياة رجل متزوج.
اختارت القاصة عنوان المجموعة من عنوان القصة الثانية هادفة من وراء ذلك الى تبئير العمل برمته في تداعيات الجنون والمرض العقلي، وكل الأمراض النفسية التي تنتج عن خلل في الذات و المجتمع. فترانت سيس حوفظ على كتابتها كما تنطق بالدارجة المفرنسة، حيث تحول هذا الرقم 36 إلى مكان و هو مستشفى الأمراض العقلية بالدار البيضاء و من خلال هذا المجاز المرسل الذي يقتضي التجاوز بلاغيا ، شكلت الحقبة الأولى للنص فهي عبرت بالمحل وأرادت الحال فيه، و من خلال الاستعمال الشعبي لهذا المحل تشكل انزياح دلالي جديد حيث أصبح هذا العدد 36 يلصق بكل تصرف أخرق مجنون. ففي القصة التي تحمل هذا العنوان أصبح العدد 36 هو شخصية الأب الذي يعاني من انفصام في الشخصية.
فهو شخص غير متوازن، يقضي كل مساء سبت مع امرأة غريبة في غرفته وابنته الصغيرة ترى و تسمع كل ما يدور بين الأب و المومس بعد انتهائه من عربدته و فعله الداعر يتوجه للصلاة! إنها قمة الانفصام وازدواجية الشخصية.
مكونات العالم القصصي في المجموعة:
يتشكل العلم القصصي عند مليكة مستظرف من خلال رصد الحياة الاجتماعية للطبقة المسحوقة والفقيرة و غير المتعلمة. هذه القصص و الشخصيات منتقاة من قاع المجتمع. وقد تمكنت القاصة من رصد هذه الحياة بتفاصيلها ويخيل للقارئ أن كل قصة من قصص المجموعة قد استوفت تفاصيل الموضوع المعالج فيها، بلغة تنم عن شراسة وعنف في المتخيل الذي يستمد كل مكوناته في الحياة الواقعية، بعيدا عن التأملات و الخيالات الجامحة ، لقد أنزلت مستظرف كل شخصياتها إلى معترك الحياة اليومية و راحت تنسج خيوط قصصها عبر وصف دقيق يتسم بالتركيز على العنصر البشع وعلى كل ما يثير التقزز والغثيان وكأننا نقرأ أناشيد مالدرور للنوتريامون، أو كأننا نقرأ رواية إميل زولا عصارة الخمر. التي رصدت هي الأخرى بشاعة الحياة في باريس القرن 19، حيث القذارة و الأوساخ و الأمراض و التعفنات و سوء التغذية ، و التفكك الأسري ، و المومسات الصغيرات ، وهموم الطبقة العمالية التي تتجمع في الخمارة التي ترمز للموت البطيء. فالشخصية الرئيسية جرفيز كانت تعيش حياة طبيعية مع الفقر إلا أنها ستجد ضالتها في الخمر لتدخل في متاهة احتضارها.
لقد كان إميل زولا يسعى من وراء هذا العمل القوي إلى إبراز أن عامل الوراثة و الحتمية يؤديان الى الخراب و الضياع، إضافة إلى أنه كان يجرب بعض الأفكار العلمية السائدة في عصره من خلال عمل تخييلي.
لقد عالجت مليكة مستظرف مجموعة من القضايا الشائكة في المجتمع المغربي تخص الطبقة المسحوقة و الفقيرة داخل فضاء مدينة الدار البيضاء التي وصفتها إحدى الشخصيات بأنها مدينة عاهرة تفتح فخذيها لكل القادمين. ص24.
كل قصة من قصص المجموعة ترصد عالما مستقلا و موضوعا خاصا رغم تواتر بعض التيمات المركزية الناظمة لعالم هذه القصص كتيمة الأب المتسلط العامي الذي يعيش طيلة حياته بأحكام جاهزة وقيم بالية و عقلية متهالكة تلقاها بعيدا عن المعرفة و التعلم، فقط هي أفكار منهكة ورثة تعشش في ذهنية ذكورية مريضة و متحجرة عاشت على التقاليد المغلوطة و على الوهم و تيمة الأم المفقودة أو العاجزة، هي الأخرى غير المتعلمة تعيش في ظلمات الجهل و الأمية. أن الرجل و المرأة في عالم هذه المجموعة كلاهما ضحية للفقر و غياب التربية السليمة التي تؤهل إلى توريث تربية سليمة للأبناء.
فالأب في قصة ترانت سيس يبعث بطفلته الصغيرة عند البقال بإبراهيم الذي يبيع في حانوته كل شيء : مواد غذائية و خمور رديئة ناهيك على أنه يعالج مرضى الحي بوصفات عجيبة. لتقتني له كل مساء سبت قنينتين من صنف عايشة الطويلة الذي ظلت الطفلة تعتقد أنها امرأة طويلة لتكتشف أخيرا أنها اسم لصنف رديء من الخمور . فماذا سيورث هذا الصنف من الآباء الداعرين العربيدين أطفالهم سوى الرذيلة الهابطة و عدم التوازن النفسي.
لقد عالجت في القصة الأولى : مجرد اختلاف، قضية الخنثى ، وإذا كانت هذه المشكلة قد عالجها مجموعة من الكتاب الذين اتخذوا فكر الاختلاف منهجا في الكتابة والحياة كالخطيبي ، فإنهم قد عالجوها في إطار فلسفي تأملي باعتبار الخنثى حقلا خصبا لتجريب مفاهيم الاختلاف, فان القاصة مليكة مستظرف أنزلت عالم الخنثى من عالم التأمل لتزج به في الواقع اليومي ورصد معاناته الناتجة عن عدم تفهم الآخر لاختلافه الجسدي.
تبدأ القصة بمشهد دال، شارع في آخر الليل ، صامت و فارغ و كئيب، لا وجود إلا لبعض القطط الضالة تموء بطريقة مخيفة كبكاء طفل رضيع، كلبة وكلب يلتحمان وينتشيان، يحس السارد/ الشخصية الخنثى بخدر لذيذ يسري في جسده. يدخل في مونولوغ : كم هما محظوظان يفعلان ذلك الشيء أمام الملأ: ربي يشوف و العبد يشوف. لا يخافان من لا رافل أو من كلام الناس. سرعان ما يتوقف مشهد الانطلاق ليظهر في مسرح الأحداث بوشتى حامي المومسات الذي أفسد على السارد الشخصية لذته في مشاهدة عملية الالتحام الكلبي صارخا بكلام عامي بذيء ينم عن عدوانية مجانية، رماهما بحجر فافترقا و قد صدر عنهما أنين كالبكاء.
إن هذه الجملة المفتتح تهيئ القارئ لما سيأتي من أحداث فالقصة برمتها تحكي معاناة هذا الشخص المختلف جسديا و قد بدأت هذه المعاناة من خلال ابتزاز بوشتى لهذا الخنثى فهو يأخذ نصيبه عن كل عملية مقدما ص10 ومن مضايقة الملتحين له الذين يريدون تنظيف المجتمع، فقد تعرض من طرفهم الى حلق شعر رأسه, وقد ظلت هذه العملية تحز في نفسه لان شعره كان طويلا و أشقر كشعر الخيل ثم من خلال تعنيف أبيه له وقد فاجأ أمه و هي تسرح شعره و تضع احمر الشفاه على خده و تعقص شعره على شكل إسفنجة ، ذلك اليوم ضرب الأم حتى تغوطت وقال لها: هاد الولد غادي تخرجي عليه سيصبح خنثى!. وعلى اثر هذا الحدث فرض عليه أبوه أن يقرأ القرآن ليترجل أي يصير رجلا . وعقوبة كتلك التي يعاقب بها الأطفال من طرف معلمين يجدون لذة في عقوبة الأطفال و هي أن يكتب ألف مرة : أنا رجل . لكن الطفل المختلف جسديا يظل يتراوح بين رغبة الأب أن يكون رجلا و رغبة الجسد أن يكون امرأة. و حتى المهنة التي كان يتمناها هذا الطفل تتضمن في جزء منها إشارة الى الرغبة الجنسية الشاذة. سأله أبوه آش بغيتي تكون في المستقبل؟ أجاب الطفل بيلوط أي ربان طائرة إن جزءا من الكلمة يشير إلى لوط و إلى تداعيات اللواطية. و في المؤسسة التعليمية يعاني من قسوة أستاذ اللغة العربية الذي ضبطه يتحسس مؤخرته لما سمع في درس النحو أن المفعول به يكون منصوبا بالفتحة الظاهرة في آخره، ومن أستاذ التربية الإسلامية الذي يقول: إن الفاعل و المفعول به في نار جهنم. ومن المفارقات أن هذا المدرس يتحرش به ويلمس وجهه برفق ولطف . أصدقاؤه في الفصل يسخرون منه. يدخل حمام النساء فيلفظ لفظ النواة. يدخل حمام الرجال فيطرد أيضا ويقال له: أنت امرأة سيري لحمام النساء. إن المجتمع يتعامل بخشونة و أحيانا بلا مبالاة قاسية بلا سبب يشتمونه في الشارع.
و أخيرا وأمام هذا الضياع وهذا التضييق و رفض المختلف يبقى الحل هو الاقتناع بان الجسد لا يختاره صاحبه هو خليقة الله حتى الطبيب الذي يجسد المؤسسة العلمية تعامل معه بمنطق الربح وبلغة لا يفهمها، حدثه عن الهرمونات و الجينات و الكروموزومات، وقد انتهى معه في الأخير إلى دفعه إلى تقبل جسده.صديقته نعيمة المومس قالت له نفس ما قاله الطبيب لكن بلغتها الخاصة.
و يبقى السؤال المشكلة هو كيف يقنع الآخرين باختلافه؟
طرحت القصة مشكلة الخنثى من منظور واقعي اجتماعي، ورصدت بدقة رد فعل المجتمع بمستوياته و بمؤسساته المتعددة، وكان رد الفعل هو الرفض، وفي أحيان قليلة كانت هناك دعوة للتعايش مع هذا الجسد المختلف وقد كان خطاب القصة يسعى الى تركيز نقطة لدى المتلقي : وهي انه لا حل لهذه المعضلة الا في إطار الاختلاف. وقد نجحت القاصة في خلق نوع من التعاطف اتجاه الشخصية الضحية السارد. و قد عولج الموضوع في إطارين دائري يوحي بان المعضلة مستحكمة، وان هذا البطل الهامشي يكابد مصيره وحده لا احد يتفهم اختلافه ولا أحد يقاسمه آلامه لأن الألم فردي.
إن الخطاب التخييلي السردي يكون أكثر تبليغا من الخطابات الأخرى و يهدف بالخصوص إلى تنسيب القيم التي ينظر لها المجتمع في إطلاقيتها.
سبق الذكر أن كل قصة في المجموعة تتحدث عن معضلة اجتماعية أو نفسية، ويمكن تقديم تشخيص لمجمل هذه القضايا كالتالي:
في القصة الأولى ترانت سيس، يقدم نموذج الأب المتسلط الداعر المزدوج الشخصية. يقدم نموذجا سلبيا لمفهوم الأبوة أمام طفلة فاقدة أمها.
و في قصة امرأة ..جلباب و علبة حليب، تقدم القاصة نموذج المرأة التي تخلى عنها زوجها و اضطرت الى العودة الى بيت أبيها المتسلط و الذي لم يتفهم وضعها الشيء الذي أدى الى ضياع هذه المرأة التي لا ترغب سوى في بيت وطعام لطفل. هذا الوضع الخانق لامرأة غير متعلمة و ليس لديها استقلال مادي أدى في النهاية الى حتمية البحث عن الرزق من خلال امتهان بيع الجسد لمن هب ودب.
وفي قصة امرأة عاشقة امرأة مهزومة تحكي عن معاناة امرأة زوجها أبوها غصبا عنها و هي لازالت طفلة فتخلى عنها زوجها. بعد هذا الحاد ث الأليم أحبت شخصا آخر تصفه بأنه كان يشبه دبا صغيرا، أصلع بكرش مرتخية تخفي أعضاءه التناسلية و مؤخرة ضخمة ووجه مدور. متسائلة كيف أحبت هذا الصنف من البشر.هو هكذا الحب دائما يأتي بلا موعد، الحب كالموت. ص 30 هذا الشخص الكاريكاتوري هو الآخر تخلى عنها. و تعلق الساردة/ الشخصية عن هذا الوضع: كلهم يهربون عندما تصبح الأمور جادة ص32. أمام هذا التخلي المتكرر تدخل البطلة المنهكة في متاهة الشعوذة تلجأ الى العرافة التي تعدها بان حبيبها سيعود شريطة أن تقدم ذبيحة كبيرة و ليلة كناوية. وفي هذا المستوى من القصة تفضح الساردة الابتزاز الذي تعرضت له من طرف عرافة كانت لها سوابق فالعرافة كانت شيخة أي مغنية شعبية، وعندما جار عليها الزمن أصبحت عرافة ص32. إن عالم هذه القصة مليء بالمفارقات و بالسخرية السوداء و بالضحك حد البكاء.
و في قصة الهذيان تحكي الساردة و هي ملقاة على سرير في مستشفى شخص يقبلها في شفتيها المشققتين و يقول: قبلة أبوية. تذكر أن أباها لم يقبلها قط. تذكر فقط حينما كان ينحني بقامته الفارغة و يضع يده حول خصر أمها و تختفي الصورة كما كانت تختفي الصورة من تلفازهم المتهالك. تذكر حينما كان يقبلها صلاح كانت قبلاته بمذاق السجائر الرخيصة و الخمر الرديئة. تلمس نهديها التي بدت كفلفلة مقلية مرتخية بشكل مقزز ص37. تذكر زوجها الذي كان يعاملها بطريقة قاسية و عقلية ذكورية. أما في القصة اختناق فان الأحداث كلها تدور في الحافلة و من خلال هذه الحافلة التي وصفتها بان الداخل إليها مخنوق والخارج منها مسروق، تصف مجتمعا بأكمله بلصوصه و بؤسائه و شواذه و فقرائه بشاعته.
و في قصة مأدبة الدم، تحكي عن معاناة رجل مصاب بالفشل الكلوي المزمن، ومن خلال هذه المعاناة تصفي حسابها مع الحكومة و تفضح سلوكها الثعلبي اتجاه هؤلاء المرضى، الذين تزيدهم الوعود الكاذبة و فضاءات المستشفى المرعبة معاناة مضاعفة تنتهي بهم الموت القاتم في ردهات المستشفى المزبلة. وفي قصة الخدعة تحكي عن خدعة الزوج ليلة العرس، وذلك عن طريق إعادة البكارة الاصطناعية. أما القصة الأخيرة: يوم من حياة رجل متزوج فإنها قصة تحكي عن مشكلة اللاتواصل بين الزوجين و عن الملل الدائم بينهما.
من خلال تتبعنا للتيمات الرئيسية داخل المجموعة الجريئة، نلاحظ أن القاصة لديها جرأة في اقتحام موضوعات كانت حكرا على الرجال، كما أننا نلمح حضورا بارزا للسير ذاتي داخل ثنايا هذه النصوص، و كأن مليكة مستظرف تسعى الى رسم صورتها الشخصية التي وزعتها على شخصيات المجموعة القصصية، مراوحة في ذلك بين السير ذاتي و التخييل. إضافة إلى المزاوجة بين اليومي والحميمي.و من خلال الانحياز الواضح لليومي و الواقعي ندرك أن الكاتبة تنظر إلى أن كتابة الواقع أعقد من الخيال.
* * *
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة
(Atom)
الصفحات
- اتصل بنا (1)
- الصفحة الرئيسية (1)
- ترجمة (1)
- دراسات نقدية (1)
- صور شخصية (1)
- من انا (1)
- مواقع صديقة (1)
- يوتيوب (2)
الزيارات
أرشيف المدونة الإلكترونية
-
▼
2013
(8)
-
▼
سبتمبر
(8)
- دار المأمون تعقد مؤتمرها الدولي الثالث للترجمة بحض...
- حديث الصدى / حوار مع الدكتور محمد ايت لعميم
- قصص ادواردو بيرتي <!--[endif]--> إعد...
- تراجيديا الضياع بين تسلط الأب و فقدان الأم
- قصيدة النثر العربية: إيقاع المعنى وذكاء العبارة ...
- أيها النيلوفر بلا وزن ولا قافية مختارات من الشع...
- المرأة السفينة وهي لحنا مينه: اصداء لـ زوربا و ...
- أقرأ كتابا لكاتب إسباني فأستغرب عدم ت...
-
▼
سبتمبر
(8)
0 التعليقات:
إرسال تعليق